إنها لي

الهدف الرئيسُ مِن هذه المدونة هو تأريخٌ لما أكتب، فلستُ أزعمُ أن أفيدَ بها أحداً سواي

Dec 24, 2008

الحمد لله ما أعطى

الحمد لله ما أعطى و ما سَمِعا = و أكتب الشِّعرَ في غفرانِهِ طمعا
دعْ عنكَ شكريَ يا مَنْ كنتَ تشكرني = شُكري إليكَ هو الأوْلَى أتَى يسْعَى
ما كنتُ أحسبني يوماً على خَجَلٍ = كمثل يوم يضيقُ الحرفُ ما اتَّسعا
ماذا أقولُ و قدْ أعجزتَ قافيتي = عجزَ المحاطِ بفضلٍ مِنكَ ما مُنِعا
ربي يجازيكَ عني ما يجازي بهِ = عَبداً تقياً نقيّا واكفاً دمعا
كمثلِ ما الله أكرمنا من الدنيا = و قدَّر الخيرَ، نَحمدُه لِمَا جمعا
هو المجيبُ فنسأله بقدرتِه = جناتِ عدنٍ، نُخلَّدُ في النعيمِ معا

Dec 19, 2008

لغة الجسد

نملك أجسادَنا، و لا نتصرف فيها كما ينبغي..
و ما دريْتُ أن الأطفال تؤثر بهم لغة الجسد إلى هذا الحد – أكثر مِن أي لغة أخرى – إلا بعدما أثبتت التجربة الفعلية مع ابنة خالي ذات الأعوام الثلاثة، لي هذه الحقيقة..
الصغيرة الرقيقة تبهرك بجمالها و براءتها، فلا تملك حيالها إلا الضمَّ و التقبيل كرد فعل طبيعي لما تثيره داخلك من مشاعر..
و عندما أفرطتُ في هذا التعامل الجسدي معها، دون حتى أن يصاحبه أية معطيات أخرى كالحلوى أو الهدايا أو الأطعمة المحببة، أو الدمى و العرائس، كانت النتيجة مذهلة!



تعلقت الصغيرة بي تعلقاً عجيباً..
تعلقاً ليس له مثيل مع بقية أبناء عائلتنا ممن يقضي معها الكثير من الوقت في اللعب و الكلام، مما أكد لديّ ما كنتُ أثق به من قوة "اللمس" في نفس الإنسان..
إنها تستيقظ كل يوم، فتهرع باحثة عني – عن حضني – ثم تقف ساكنة عند ساقيّ، إذا جلستُ أتابع حديثاً ما مع الأسرة، فلا أتمالك نفسي أمام مكوثها عندي صامتة – لا تطلب شيئا غيرَ القرب – إلا برفعها إلى موضع قلبي، أو إحاطتها بذراعيّ في قوة، غير متخلية عن أذني الواعية لما يقال..
هذه الصغيرة تبهرك!
تعطيها، فترد لك العطاءَ أضعافاً..
تمسح شعرَها بأناملك، فتقضي هي النهار تقبيلاً لوجنتيك!
هذه الصغيرة علمتني الكثير..
و بقدر حرصنا على ألا يمسنا مَنْ لا حَقّ له في أجسادِنا، يكون حرصنا أيضاً على استغلال كل جزء في هذه الأجساد مع من يحل له ذلك..
و من هنا يدوي في عقلي حديثُ المصطفى - صلى الله عليه و على آله و سلم - عن اليتيم، و الحث على مسح رأسِه لمن أراد منا أن يرقق قلبه..
لم يغفل الإسلام هذه اللغة البليغة.. لغة الجسد..
و هي بالفعل قادرة على تغيير الكثير، و على وصل ما انقطع، و مداومة ما اتصل، و الإفصاح عما قد تعجز لغة الكلمات عن الإفصاح عنه..
لكننا لا نحسن الحديثَ بهذه اللغة..
أو نخاطب بها مَنْ ليس معنِيّا بخطابنا..
أو نتحدث بها في تقتير شديد، بينما نترك ألسنتنا تنطق بسخاء مماثل له في الشدة، بما قد يهوي بنا في النار..
لم نتعلم أن نقبّل و نحتضن..
لم نع كيف نضم، و نحوط بأذرعنا، و نمسح بأيدينا، و نحتوي بصدورنا، و نشد بأكفنا..
لكنني منذ ذلك اليوم الذي حظيتُ فيه من صغيرتي بما لم أكن أستحق، قررتُ ألا أبخل على أحدٍ بما أملك بالفعل، و لا يكلفني مشقة.. بل يورثني رقة و سعادة..
منذ ذلك اليوم، و يداي ليستا بجانبي، و شفتاي على وجنات الآخرين!
قررت ألا أكون فصيحة اللسان فقط..
بل و الجسد أيضاً.

Dec 13, 2008

حملة الصح

تيجوا نصلّحْ من بلاوينا
و الكارينا دي مش لينا!
هو الدين بيقول نتعرّى
هو الصح نكون فاترينا؟

مش هندخن، مش هنحشش
مش هنقول ألفاظ بتطفش!
مش هنسبّ اللي ما يعجبنا
"ابن" و "بنت" الـ ، لا ما شتمتش!

دايما تلقَى الصح بيلمع
ياللا أنا هاعمل فيها واد مجدع!
كل الألفاظ دي هابطلها
و الأخلاق و النخوة هترجع

وانتي يا أحلى جهاز إعلام
عن إسلامنا، ليه تعبان؟
جربي طب مانتيش خسرانة
شيلي الميكب و البرفان

هو الصح، أهو بيندهنا
نمشي وراه، مش هنقول تهنا
احنا أخوات، لينا همنا واحد
بالحملة دي نداوي جروحنا

Dec 12, 2008

هاقد ذكرتكَ

ها قد ذكرتُكَ بالذي = أفْرِدْتَ يا خِلّي، فَعِ
حينَ احتملتَ قصيدتي = و شهِدْتَ مولدَها معي
أو حلَّ حزنٌ في غَدٍ = فتقولُ : "عنكِ دعي دعي" !
إنْ دمتَ في الموْلَى أخاً = فسأستهين مواجعي
أو كنتَ لي فيه النصيـ = ـرَ فتضمحلّ مدامعي
لا أحْسِنُ الإحسانَ بل = فالله خيرٌ سامعي
أرجوه في ذلٍّ و في = قُرْبِ السجودِ الخُشّعِ
لك أن تصانَ محمدٌ = و التوْبَ قبل المَرْجِعِ
و اصفحْ و كنْ لي غافراً = جهلي عليكَ، فلا أعي!

Dec 8, 2008

أسامة


كابنِ زيْدٍ كنْ أسامة = ناصباً رأساً و هامة
جئتَ في وقتٍ أفاضَ الناسُ دمعَهمو قياما
جئتَ تبشيراً : قبولَ الدعوةِ الظمأى صياما
جئتنا و الله أكبرُ و الأضاحي و السلامة
جئتَ خير العام يوماً = لم ننمْ إلا لماماً
أدلى كلٌّ مِنا دلواً = أخرجَ البشرَى غلاماً
في جمال الطفل أبصرناه تعلوه ابتسامة
مادداً كفيه يسعى = راجياً مِنا طعامَه
كم أبٍ؟ كم والداتٍ = كم و كم تحظى أسامة؟
زينبُ الأم التي = قد أنجبتْ، فالآن "ماما"
ليست الأولى فقط = بل كلنا أمٌ تماما
كن كريماً لا يبالي = في ثباتٍ بالملامة
فيكَ منذ اليوم حلمي = كابنِ زيْدٍ ذا أسامة

Dec 7, 2008

مرحى زينب!

فلتهنأ روحُك يا أسماءْ
بأسامةَ مِنْ نسلِ زُيَيْنِبْ
تلد بيومِ الحجِّ الأكبرِ
طفلاً يحتالُ لكي يخرج
أعجلناه؛ كيما نسعدَ
أم عجلَ لكيْ يلقَى زينبْ ؟
- و له حقٌّ في أنْ يعجلَ
و لنا حق في أنْ نرعبْ –
وضَعَتْ زينبْ
طفلا يلعبْ
و سيملا أكواناً من حولِ الشمساويين بفرحٍ
و سيعقبنا عزاً و يكون
لبهجتنا نبعاً نَرِدُ، و نصدر عنه
هو لا ينضبْ
نرجو لأسامةَ و لزينبْ
صحةَ إنسانٍ لا يتعبْ
مرحى زينبْ!
مرحى زينب!

Nov 14, 2008

عشقي نَفسي

أحضن ديسميَ و ساقيَّا..
و أضمَُ ضلوعي في صدري..
لا أجد سوى حشو سريري قبراً للميّتِ مِنْ عَيْني
لا أعرفُ غيري لي مأوَى
أتكوَّرُ في زاويةِ الكون، و قدْ قفلوا بابَيْه عليّ
هي أعضائي ساهرةٌ معيَ لحُمَّى الروحِ بلا نَوْمِ
هل تُنْكرُ أنْ أعشقَ نفسي؟!
لمَ لا؟
و البعضُ بها يشبه عِلمي؟
لمَ لا،
و السرَّ بها يفضحُ علني؟
لمَ لا أعشقها، و الكلُّ حواليها زيفٌ
لا أثق بحقٍّ خارجها؟
كاذبةٌ كل حقائق أهل العِلم
و أهل الجهلِ
و أهل الأشباهِ، و أشباح الأهلِ
و مَنْ لا أهلَ لديه، و مَنْ ....

سلسلةٌ بغضاءُ اللفْ
و الكلُّ حواليها زيفْ
--------
نَفْسي هي مَنْ أنا أعشقها
هي قصة حبي، هي أوْفَى
مَنْ عاشتْ تؤلمني في خوفْ
هي مَنْ بحياتي تحيا، أو
إنْ مِتّ أنا، فلسوف تموتْ!
هي حقٌّ في لجلجِ ملكوتْ
أحببتُ سذاجتَها عمداً
أحببتُ براءتها مني،
إنْ خنتُ عهوداً لي معها
تباً ! حتّى أنْتِ تخونين !
----
حضني جسمي
دمعي عيني
روحي أختي
شِعري كفني
----

Nov 6, 2008

قسوة

استجابة لرسالتها لها ليلة أمس، ذهبت (مها) إلى المصلى لتلقى صديقتها..
تعانقتا كالعادة كلما التقت مَن تحب – أو مَنْ تعرف – ثم جلستا سويا..
صنعتا حلقة صغيرة مع ثلاث أخريات من صديقاتهما..
بدأن الحديث بسؤال سريع عن أخبار الجميع، و عن الدراسة و المذاكرة، و عن (أوباما) و فوزه، و اتحاد الطلاب، و العديد من هذه الأشياء..
تذكرت موعد محاضرتها.. الوقت يمر سريعا..
فتاة أخرى تدلف إليهن.. ينقضي المزيد من الوقت في العناق و الحديث، ثم ترحل القادمة لتعود الحلقة الصغيرة إلى سابق عددها..
- ايه رأيكم.. تيجي نقرا شوية قرآن؟
قالتها الصديقة بابتسامة كبيرة تعلو وجهها..
لم يعترضن بالطبع... بل رحبن، و بدأن مقرأتهن الصغيرة..
لا تنس أنهن أضعن المزيد من الدقائق الثمينة في اختيار الآيات التي سيقرأنها..
---------
دعواتها اتخذت مسارا آخر تلك الأيام..
يمر على الفرد منا أيامٌ تشغله فيها قضية ما، فتسيطر على لهجة الدعاء..
كانت قضية (مها) تلك الأيام هي أنها تشعر أنها بعدت كثيرا..
تشعر أن قلبها قسا كثيرا عما كان من قبل..
هل لأنها افتقدت صحبة صالحة؟
الفتيات كثيرات حولها، لكن لِمَ تشعر أن الحب و الاهتمام لم يعد كالسابق؟
هل هو فتور المشاعر الذي يحل كل حين و آخر؛ ليفسد علينا وتيرة واحدة استمرت طويلا – لكنها جميلة - ؟
حاولت كعادتها أن تجد تفسيرا منطقيا لما تشعر به من قسوة في قلبها، و من جمود رهيب في حركات حياتها كلها، إنها الدوامة اليومية التي تحياها بآلية شديدة، و بلا أدنى إحساس أو مشاعر..
الكلية.. المحاضرة.. الدرس.. الكتب.. الامتحان.. النوم.. الطعام..
ثم الكثير من الوقت المهدر في لا شيء..
كم سئمَتْ هذه الحياة!
لا، لم تكن هذه حياتها من قبل أبدا..
لم تكن يوماً هكذا، كي تعتاد هذا الجمود، و هذه القسوة، و جفاف الأيام الكئيب هذا..
لكم تمنت حينها لو شاهدت فيلما مؤثرا، أو رأت طفلا صغيرا مهانا، أو سمعت قصة رجل عُذِّبَ حتى الموت!
ليست شريرة لتتمنى هذا لأحد بالطبع، لكنها فقط أرادت أن تعرف أنها مازالت تملك قلبا رقيقا، يشعر و يتألم و يبكي، كما أحبته دوما و عرفته..
و لأنها قضيتها، فكانت تسيطر على دعواتها ليلا..
تسأل صحبة صالحة تعينها..
و تعوذ من قسوة القلوب..
---------
بعدما فرغن من التلاوة و استخراج ما جال بأذهانهن من خواطر، اعتدلت (مها) و سألت صديقتها في اهتمام:
- انتي كنتي عاوزاني في حاجة معينة، و لا نشوف بعض بس؟
ابتسمت صديقتها مرة أخرى، و غمغمت بكلمات لم تفهم منهن (مها) هل الدعوة بهدف أم بغير..
واصلن الحديث هكذا، إلى أن أعلنت (مها) أن الوقت قد حان لتغادرهن إلى حيث محاضراتها...
و يبدو أن هذا نبَه صديقتها؛ إنْ لم تفصح عن رغبتها الحقيقية في اللقاء الآن، فستغادر (مها) دون أن تظفر منها بشيء..
لذلك استوقفتها قبل أن تمضيَ بثوانٍ..
- أنا بس كنت عاوزة أشوفكم النهاردة عشان انتو عارفين قد ايه الصحبة الصالحة بتفرق مع الواحد.. عاوزين نشد بعض لفوق دايما...عاوزين نسأل على بعض.. عاوزين زي ما احنا قاعدين كده.. تحفنا الملائكة، نبقى قاعدين مع بعض في روضة في الجنة...
كانت تقول هذا و هي ترمق (مها) بنظرات خاصة...
فالدعوة كانت لها.. و الرسالة جاءتها وحدها ليلة أمس.. أو هكذا ظنَّتْ..
الصديقة تواصل حديثها العذب، و (مها) تثبِّت عليها بصرَها، و تبتسم رغما عنها..
لأن الدموع في مقلتيها لم تكن لتسمح لوجهها أن يبسم..
واصلت الفتاة حديثها:
- نفسي كده نبقى مع بعض على طول.. نبقى أصحاب كده، و نساعد بعض و نشد بعض..
خفضت (مها) عينيها..
لم تعد تستطيع الاستمرار..
لم تعد تستطيع تثبيت عينيها على صديقتها..
لم تعد حتى تقوى على الابتسام..
فقط البكاء المتزايد الصامت..
أما الفتاة فلم تعد تدير عينيها فيهن، و لم تعد توزع نظراتها عليهن..
بل أصبحت لا ترى إلا (مها)..
تمنَت لو تقطع حديثها تماماً، دون أن تفرغ منه؛ فقط لتحتضن (مها) بقوة..
قاومت هذه الرغبة..
واصلت حديثها..
و دموع (مها) لا تتوقف..
"هذه الفتاة تقول كلاماً مؤثرا للغاية!"
هكذا برّرت (مها) بكاءها لذاتها..
الغريب أنه لم يشعر بها أحد..
هل شعرت بها صديقتها لأنها كانت تواجهها مباشرة في الحلقة؟ و لأن الباقيات لا يرين وجهها بشكل مباشر كما تراه هي؟
---------
نهضت بغتة لتطوّق (مها) بذراعيها في قوة أم، و هي تهتف بابتسامة كبيرة:
- من الصبح و أنا عاوزة أحضنك!
ثم أشارت للباقيات: - البت دي رومانسية أوي!
كانت الرغبة متبادلة..
تمنت (مها) أيضا أن تحتضن صديقتها منذ أن انحدرت منها أول دمعة..
تمنت أن تشكرها..
أنتِ أعدتِ لي قلبي الحي..
أنتِ حركتِ داخلي الإنسان..
لكنها لم تشأ أن تقطع حديث الفتاة، أو تصيب الباقيات بالضيق، لأنها احتضنت واحدة و تركت الأخريات!
تخشَى على مشاعرهن جدا.. و تطويق واحدة دون الأخريات في مشهد لا يستدعي ذلك من وجهة نظرهن ربما ضايق إحداهن، أو أصابها بالغيرة..
لكنها فعلتها على أية حال.. وما كان لها أن تقاوم، و قد ضمتها الفتاة في قوة مماثلة لما قدرته (مها)..
استمر هذا العناق المختلف عن أي عناق آخر يكون ببداية أو نهاية أي لقاء يومي عادي..
و بعد نعت (مها) بالرومانسية، قالت الفتاة بصوت عال كأنها أرادت لقولها أنْ يُسمع:
- يا بخته!
احمرّت (مها) كثيرا، و هي تقدّر أنها لن تعرف كيف تجيب الفتاة..
سعَتْ لإنهاء اللقاء سريعا، و هي تعود للنظر في ساعتها، و تأنيب ضميرها لهذا التأخير الصريح عن موعد محاضرتها..
لا تحب التأخير، و تلتزم بمواعيدها دائما..
سيكون الباب قد أغلق في وجوه الطلاب..
ستدخل من الباب الخلفي..
لكن التأخيرَ في ذلك اليوم بالذات، لم يحظ منها بما كان يحظى سابقا من بغض، و تقريع..
بل كان تأخيرا مستحقا جدا في رأيها..
تأخير يساوي ثمن قلبٍ ..
ثمن جلاء قسوة قلب.
Align Right

Oct 6, 2008

لو كنتَ إماماً للمسجدِ

(1)

لو كنتَ إماماً للمسْجدِ
لخبرتَ خفايا المُسْتَعبِدِ
لو كنتَ خطيباً في مسجِدِ
مِنْ أيّ بقاعِ المحروسةِ
- ذَعَروها هم أمْ حرَسوها؟!! -
لحفظتَ وجوهَ رجالاتِ الأمنِ المكتوفِ
بأسْوَدِ يَدِ
لو كنتَ إماماً للمسجدِ
لرآكَ المبعوثُ بِشَرٍّ:
جنْديُّ الأمنِ المتفرّدِ
و خلا بالنصحِ المُستَنفَدِ
لنَهَى عن معروفٍ، و أتَى
في كلِّ أوامرِهِ المُنْكرا
لنهاكَ – بِذوْقٍ – أوَّلَ ما
ينهي عن ذِكرِ الشهداءِ، و أسْرَى يحيون على ذلٍّ
في ظِلّ القهر المتجدِّدِ
------------
(2)

لو كنتَ خطيبا للمسجدِ
حثَّ عقيرتَه موقظةً:
" مَنْ يهْدِ اللهُ فذا مُهتَدِ،
"ماذا لو كنا يا قومي
في مُلكِ سليمانَ كهُدْهدِ ؟ "
لرمَوْكَ بتهمةِ تنبيه الغافلِ /
إيقاظٍ للشاردِ
----------------
(3)

كان إماماً يوم الجمُعةِ
يسعَى بالقلبِ إلى المسجدِ
يوقفه مبعوثُ الشرِّ، و يأمرُ في نصحٍ متوعِّدِ
"لا تذكرْ شيئاً عن غَزَّةَ، و الأقصَى، و بلادِ الذلّةِ "
يبتسمُ و يهمسُ في سرِّ:
" الذكرُ لبلدان العزّةِ
بسواكِ فلنْ تُبْعَثَ خطبتي"

مِنْ فوقِ المنبرِ يخطبنا
أوّل ما قالَ: "أيا قومي
مخبرُكمْ ذا لا يقرؤكم أمناً / تسليماً / أو سِلما
مخبركم ذا يتوّعدني
فيحدّد حركاتِ لساني، و هواءً يَلِجُ مسامعَكمْ..
هل صرنا يا قومِ عبيداً،
و لغيرِ الله من السُجَّدِ ؟!"

آخر ما قالَ: "أيا قومي..
أدري أينَ سأقضي يوْمي!"
--------------
(4)

لو كنتُ إماماً للمسجدِ
أتهيّبُ في الحقِّ اللوْما
فسأدعُ إمامتَه مِنْ غَدي!

Oct 1, 2008

وفاة جدتي

ماتت جدتّي لأبي..
ماتت ليلة عيد الفطر..
امرأة عجوز مسنّة، لم نعرفْها إلا من خلال حكايا أبي المستمرة عنها..
كنا ننتظر نبأ وفاتها منذ عدة شهور، لكن الله أراد أن يدّخر لها ذلك يوم الجائزة..
يوم يتسلم المسملون جوائزهم في عيد فطرهم، بعد شهر الصيام؛ لتصعد روحُها إلى بارئها فتتسلمَ جائزتَها في السماء..
النبأ متوقع في أي وقت.. الليلة عيد.. الكل نيام..
أنا أداعب أزرار حاسبي المحمول..
لربما لو كنت أنا نائمة أنا الآخرى، لما استمع أحدنا لرنين الهاتف، و لما استيقظنا إلا بطرقات عنيفة على باب شقتنا تثير ذعرنا و حزننا من بعد..
لكنني كنت هناك..
في انتظار الهاتف؛ لأرد عليه، فأجده عمي – و جدتّي مقيمة عنده منذ ثلاث سنوات - ..
ظننته يهاتفنا تهنئة بالعيد..
حتى سألني عن أبي، و طلب مني إيقاظه؛ "لأن جدتك توفيّتْ "..
أعرف أننا ينبغي أن نقول حينها "إنا لله و إنا إليه راجعون"، لن أقول إنني نسيتُ ذكرَ الله، بل قلتها، و لم تتجاوز أبدا شفتيّ..
انعقد لساني فلم تخرج منه كلمة..
لكنّ قدميّ أسرعتا بي إلى حيث غرفة أبويّ، أوقظ أبي، و كلي رغبة في ألا أوقظه!

و حينما انتفض مذعورا لهمسي الخافت له كي يصحو؛ قلت: عمي يريدك على الهاتف، فصاح مِن فورِه: إذاً ماتت أمي!
لم أشأ أن أكذّب حينها أو أصدّق قوله، و إنما تركته يذهب ليجيب هاتف أخيه، و يعرف من لدنه بنفسه..
ما عاد الكل نياماً..
استيقظوا جميعا، و بدأ أبي في الإعداد لسفر طويل إلى حيث يقوم بدفن أمه في إحدى قرى محافظة المنيا، حيث قبر زوجها و ابنتها..
---------
طوال الوقت و أنا أرقب أبي في حذر..
أتساءل كيف تأتون – معشر الرجال – بهذه القوة؟؟
أنا أنهار سريعا..
كيف استطاع أن يخفي عنا سيلا من دموع، رأيته يتوارى خلف قناع من جمود؟
كيف استطاع ادّخار كي شيء، حتى يغادر المنزل، و يذهب إلى حيث لا ترصده عينا فتاة متوجسة مثلي؟؟
لا أدري..
--------
عاد أبي..
بطنّ من إرهاق، و أطنان من أسى..
لم ننجح في الحديث إليه؛ إلا بعد عودته بيوم..
بدأ يقص علينا كيف سارت الأمور هناك..
كيف دفنها بيديه؟
كيف دخل يودّعها و هي على فراش الموت..
كيف انهال عليها بقبلاته، و عبراته..
و كيف، و كيف، و كيف..؟
ثم لم يستطع أن يخفي عنا دموعا أخرى..
خنقته، فانهمرت مسببة ذلك التهدج في صوته، و هو يواصل علينا القصَّ..
سعدتُ في البداية أنه تكلم..
أنه يقص علينا جميعا في جلسة واحدة، التففنا فيها حوله...
لكن، عندما رأيتُ دموعه لأول مرة في حياتي منذ ولدتُ، أدركت كمْ بذلَ من الجهد كي لا تخرج..
و أدركتُ معنى أنها خرجتْ الآن، و أننا رأيناها بالفعل..
معنى أنها غلبَتْه، أنها كانت قوية جدا..
تمنيتُ لو أحتضنه لحظتها، لكنني لم أفعل..
ولو فعلتُ، لبكيتُ بكاءً غير طبيعي.. و هذا آخر ما يحتاجه أبي ساعتها..

فذهبتُ لأبكي وحدي..
-----